|
|
موقع د.إبراهيم حمّامي الشخصي |
|
|
هل بدأت مرحلة ما بعد عرفات؟
في التفصيل السابق يلاحظ المواقف التي اتخذت والتهديدات المتكررة للقضاء على عرفات، وهو ما تم باغتياله سياسياَ عن طريق تحجيم صلاحياته، وبمساعدة رفاق الأمس الذين انقلبوا عليه، وفي هذا الإطار لابد من التركيز على تلك الفترة التي اغتيل فيها عرفات سياسياً لفهم المرحلة اللاحقة وأدوار من قاموا بها، ألا وهي مرحلة التصفية الجسدية، وفيما يلي تحليل نُشر على موقع الجزيرة نت للكاتب إبراهيم أبو الهيجاء: ماذا تعني موافقة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات على تعيين رئيس وزراء فلسطيني؟ بل وترشيحه لمحمود عباس "أبو مازن" نائبه في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية المعروف بمواقفه المجاهرة ضد الانتفاضة المسلحة، وبكونه من أصحاب العلاقات السياسية المنفتحة مع الجانب الإسرائيلي ومع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون ذاته، ناهيك عن كونه المهندس لاتفاقية أوسلو.. وهل نستطيع القول بعد ذلك أن الضغوط الخارجية قد نجحت فعليا بالخطو نحو إنهاء دور عرفات السياسي؟ من خلال تعيين بديل مقبول لديهم وذو تاريخ سياسي مساند.. مما سيمكن إسرائيل والأميركان من التعاون معه والوثوق به، وبالتالي عزل عرفات والقضاء على الانتفاضة الفلسطينية . صحيح أن اختيار رئيس وزراء فلسطيني يشكل نجاحا للضغوط، واختيار" أبو مازن" سيكون مرحبا به أميركيا وإسرائيليا.. ولكن علينا أن لا نتسرع في الاستنتاج بأن ما جرى هو إنهاء لدور عرفات السياسي كما يبغي من ذلك الإسرائيليون ويؤازرهم الأميركان، وكما يتعاهدون سرا على إنجاز الأمر بعد الانتهاء من صدام. لأن القضاء على عرفات ليس بهذه السهولة المتوخاة ، حتى وإن فتحت أبواب البيت الأبيض لأبي مازن الموصدة في وجه عرفات، وأعطت إسرائيل بعض الميزات الاقتصادية والسياسية "لأبي مازن" بما يمكنّه من ممارسة صلاحيات جدية لمنصبه من خلال الخروج من بعض المناطق المحتلة أو تسهيل حركة التجارة والعمال.. وربط كل هذه الإنجازات برئيس الوزراء الجديد . رغم كل هذا الانفتاح الأميركي والإسرائيلي المتوقع على رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد إلا أن دفن مرحلة عرفات ليست بهذه السهولة وذلك لعدة أسباب:
1.
الشعب الفلسطيني
2.
الانفتاح الأمريكي والإسرائيلي
3.
رغبات المقربين من عرفات
4.
تحجيم الصلاحيات
5.
رفض قوى المقاومة لماذا قبل عرفات تعيين أبي مازن؟ إذن تعيين رئيس للوزراء ليس نهاية المطاف وليس شرطا أنه الخطوة الأولى في إنهاء دور عرفات، ونرى أنه بالنظر للعوامل السابقة الزمنية والشرعية وعقد الاتهام والشك فإن إنهاء دور عرفات سيكون بالغ الصعوبة.. ولعل عرفات قبل بهذا التعيين لأسباب: 1. جعل هذا التعيين بطاقة مرور لتمرير الضغوط الخارجية وإرضاء اللجنة الرباعية وإحراج إسرائيل والأميركان أكثر.. من خلال وضعهم على محك ما يمكن أن يعطوه للفلسطينيين حتى في ظل وجود شخص مقبول مثل أبي مازن. 2. اعتبار هذا التعيين جواز سفر لتأمين سلامة مكانة عرفات في ظل إدراك عرفات أنه التالي بعد صدام، مما يعني ببساطة مواجهة التغيرات الآتية واستباقها، ولعل هذا هو ما دار في تفكير لجان حركة فتح في أطر منظمة التحرير المنقسمة حيال ترشيح "أبي مازن"، ولكنها آثرت الاصطفاف خلفه لمواجهة التغيرات الأميركية الممكنة ضدها. 3. يدرك عرفات أن المطلوب من سلطته هو سحق الانتفاضة والاصطدام مع القوى الفلسطينية المقاومة بما فيها تنظيمات موالية لحركة فتح في الداخل، وهذا سيتطلب خسارة لمكانته وشرعيته ولذا يكون من خلال هذا التعيين قد أعفى نفسه من هذه المهمة وجعلها منسوبة لمرحلة رئيس الوزراء الجديد مما يمكنه أن يكون رابحا من جهة ومتبرئا منها من جهة أخرى. 4. ويدرك أيضا أن المرحلة القادمة وخاصة بعد حرب العراق، ستتطلب تنازلات فلسطينية للموافقة على أوسلو جديد يقترب من مقترحات شارون للتسوية أو يزيد عنها قليلا، وهي ستدور في فلك إعطاء الفلسطينيين دولة مؤقتة على مناطق ( أ + ب )، أي حوالي 50% من أرض الضفة الغربية، مما سيعني مغامرة لأي فلسطيني يقدم عليها بعد هول التضحيات الفلسطينية المقدمة في انتفاضة الأقصى، لذا فمن الممكن أن تعيين رئيس وزراء مثل "أبي مازن "سيريح عرفات من هذه الورطة وتحميل أوزراها لرئيس الوزراء الجديد، وبالتالي الخروج منها سياسيا وشعبيا رابحا. العوامل المؤثرة في تحديد مصير عرفات وهي مرتبة حسب أهميتها:
الأول: القوى
الفلسطينية الفاعلة 1. فتح(الخارج ) صاحبة الكادر التنظيمي القادم مع السلطة والمتولي فعليا زمام القيادة التنفيذية والأمنية، منقسمة حيال عرفات وهناك أصوات جهرت ضده أو مصابة بخيبة أمل منه ، وجزء منها دعم ترشيح ابامازن.
2.
فتح
(الداخل) صاحبة الكادر التنظيمي المتواجد في الضفة وغزة ، والعنصر الفاعل في
انتفاضة الأقصى والمؤثر في المجلس التشريعي ، تميل لصالح عرفات وتخشى من بديل غير
وطني ، وسلطته فاعلة وتتأكد مع استمرار الانتفاضة. 3. القوى الإسلامية، هي الأكثر خشية من غياب عرفات بفعل الضغوط الخارجية، كونها تدرك ان الآتي بعده سيكون متصادما مع مشروعها المقاوم، لذا فهي تميل إلى الترقب مع تصعيد المقاومة بما يجعل الظروف مربكة و يمكنها من الاستمرار بمشروع المقاومة دون اتفاقات جديدة تراها كارثية على الشعب الفلسطيني. 4. الشعب الفلسطيني ليس هناك آليات لحسم موقفه في ظل ان الشعب الفلسطيني يعايش حالة ( لا معيارية ) في القياس الكمي لمواقفه كونه في حالة صراع دائم ، لكن يمكن القول من جملة مؤشرات واستطلاعات للرأي العام تثبت انه متشكك بممن سياتي من بعد عرفات ، كون الأمر تم بفعل الضغوط الخارجية من جهة ، كما ان الشعب الفلسطيني قدم تضحيات لا يمكن تجاوزها بهذه السهولة.
الثاني :القوى داخل
إسرائيل 1. اليمين الصهيوني والمسيطر فعليا على القرار الإسرائيلي، يجهر بالتخلص من عرفات وينتظر انتهاء حرب الأميركان بفارغ الصبر، وسيلجأ إلى إعطاء رئيس الوزراء الجديد بعض الأثمان السياسية والاقتصادية.. بما يمهد الطريق لإنهاء دور عرفات. 2. الأجهزة الأمنية منقسمة حيال عرفات بين مدرسة الاستخبارات التي ترى ضرورة التخلص منه بغض النظر عما سيحدث لان ما حدث بانتفاضة الأقصى هو أقصى ما يمكن ان يحدث، ومدرسة المخابرات التي تخشى من غياب عرفات القسري ومن مرحلة فوضى تدفع ثمنها إسرائيل أضعاف ما تتلقاه الآن. 3. اليسار الصهيوني يتفق مع نظرة المخابرات الصهيونية ويخشى من مرحلة ما بعد عرفات، ويخشى من محاولات تغييره قسرا لأن ذلك سيؤدي إلى فوضى تنعكس على إسرائيل ، كما أنه لا يرى غضاضة بالتفاوض معه، مع العمل على إضعافه لاستغلاله بتسويق تنازلات فلسطينية من جهة أو لتمهيد الطريق أمام بديل محتمل .
الثالث: الإدارة
الأميركية
1. 1مدرسة ترى بوجوب التخلص منه مباشرة حال الانتهاء من العراق مع الضغط منذ الآن لتمهيد الطريق إلى البدائل عنه وتمثلها وزارة الدفاع ومستشارة الأمن القومي "كوندليزا رايس". 2. مدرسة ثانية ترى ضرورة إضعافه وانتظار بديل مناسب عنه يتطور طبيعيا ودون تدخل مباشر، مع تحميله مسئولية ما يجري بغرض إضعافه واستغلاله للتوقيع على تنازلات لصالح إسرائيل وتمثل هذه المدرسة وزارة الخارجية .
الرابع :الأوروبيون
1. تيار تمثله بريطانيا وهو قريب لنهج وزارة الخارجية الأميركية مع انفتاح اكثر مع عرفات ورأينا ذلك في مؤتمر لندن لإصلاح السلطة. 2. تيار اكثر قربا لإصلاح عرفات وليس لإنهاء دوره باشتراط قبوله بإصلاحات داخل السلطة من خلال اشتراطات الرباعية والتي تمثلت أخيرا بفرض تعيين لرئيس الوزراء جديد، ويمثل هذه التيار الفرنسيون.
الخامس :الدول العربية
الرسمية المؤثرة
1. تيار لا مبال تجاه ما سيحدث لعرفات وتمثله سوريا ولبنان ولكنه يخشى في ذات الوقت من بديله الذي من الممكن أن يجري تسويات مضرة أو يقدم على تنازلات تضر بالحقوق السورية واللبنانية . 2. تيار يخشى من تسجيل أسبقية بإنهاء دور عرفات ويتطلع إلى إصلاحه من خلال الضغط عليه ودعمه ويتقاطع هذا الدور مع الأوروبيين ويمثل هذا التيار مصر . 3. تيار منتظر لما سيحدث ولكنه يخشى من غياب عرفات لذا يستبق الأمور بأخذ احتياطاته وإجراء اتصالاته بما يؤمن عدم حدوث انعكاس سلبي عليه ويمثل ذلك الأردن. برأينا وباستعراض جملة المؤثرات آنفة الذكر فان إنهاء دور عرفات غير محتوم، فهناك مركبات تعمل معه وأخرى ضده ولكن لصالحه ، في تأكيد شرعيته و دوره من جهة أو إصلاحه من جهة أخرى أو إضعاف بدائل تخلفه، أو تقوية بدائل ، ولكن هذا غير كاف في رسم الصورة كاملة لمعرفة مصير مكانة ورئاسة عرفات و شرعيته فثمة عوامل مستقبلية هي التي ستحدد مصيره أو ستعمل على الأقل لبقائه أو إصلاح دوره بالفهم الفلسطيني والعربي و الإسرائيلي أو الأميركي أو الأوروبي ... وأهمها برأينا التالي: 1. مدى تقدم عرفات تجاه المطالب السياسية والأمنية الإسرائيلية والأميركية وموافقته على صفقة نهائية اقل حتى من مقترحات كامب ديفد (2) ومقترحات كلينتون ، وقد أشارت وثيقة للمخابرات الإسرائيلية نشرت في صحيفة معاريف تحت عنوان "عرفات عقبة أم ورقة رابحة " ان الاستمرار بالحملة الإعلامية ضده سيؤدي إلى إضعاف عرفات وبالتالي موافقته على أي صفقة إسرائيلية وبالتالي أميركية ، وبالتالي يمكن إنهاء دور عرفات أمام شعبه عندما يرضى بالتوقيع على صفقة مثل تلك مما يفتح الطريق أمام غيره لا يحمل وزر توقيع ما فعله عرفات وقد يأتي بخطاب وطني في البداية ليحصل على شرعيته ، وفي ذات الوقت تستثمر إسرائيل مكانة عرفات من خلال حصولها على تسوية بأرخص الأثمان.. بينما تلكأ عرفات بقبول ذلك أو مناورته سيؤدي إلى التعجيل الأميركي والإسرائيلي بإصلاحات دوره ، رغم انه سينتهي بكليهما. 2. قبول عرفات ممارسة دور سلطوي قمعي ضد الانتفاضة ،هو الآخر سيعجل بالصدام الداخلي وشرذمة حركة فتح مما سيؤدي إلى نهاية دور عرفات الشعبي ، وبالتالي يفتح الطريق إلى بديل آخر، بينما امتناع عرفات عن مقاومة الانتفاضة وتصاعد فعالياتها وخاصة اشتداد عمليات العمق سيؤدي إلى تعجيل نهاية دور عرفات وقمع سلطته بالقوة الأردن ،رغم ان ذلك سيعاظم من شرعيته الشعبية. 3. نجاح الأميركان بترتيب المنطقة، أي نجاحهم بضرب العراق وتغيير بنيته السياسية سيعجل بإصلاحات دور عرفات خاصة إذا ما رفض عرفات ممارسة دور فعلي ضد الانتفاضة أو رفض تسوية ناقصة أو كليهما ...والعكس سيعزز دون شك مكانة عرفات والانتفاضة والقضية الفلسطينية ككل. 4. تصاعد قوة حماس في ظل انقسام حركة فتح وضعف السلطة يؤدي إلى تأخير التخلص من عرفات ، والعكس ليس شرطا انه صحيح في ظل ان تصاعد قوة فتح الداخل على حساب فتح الخارج سيؤدي إلى تدعيم موقف عرفات وتعزيز الانتفاضة حتى لو تم نفي عرفات للخارج ، بينما صعود فتح الخارج على حساب فتح الداخل سيؤدي إلى ضعف مكانة عرفات وصعود بديل آخر لعرفات مفروض داخليا أو خارجيا. 5. انضمام اليسار الإسرائيلي وتحديدا حزب العمل إلى حكومة وحدة إسرائيلية جديدة سيؤدي إلى تأخير منطق التخلص من عرفات لصالح منطق إصلاحه، نظرا لأن حزب العمل يريد أثمانا سياسية من الليكود لدخوله هذه الحكومة. 6. يبقى العامل البيولوجي حاضرا سواء بانتهاء دورة زمن عرفات طبيعيا أو تآمريا، ولا يجب ان يغيب ذلك عن مجمل التحليل، فعرفات بلغ أكثر من السبعين.. ولا يوجد وريث واضح له باستثناء نصوص عائمة في ميثاق منظمة التحرير والنظام الأساسي للسلطة، تعني استلام أبو علاء لمنصب رئاسة السلطة، وأبو مازن لمنصب رئاسة منظمة التحرير.. وهذا يعني أن جدلية عرفات ستبقى حاضرة وتؤرق مختلف العوامل أنفة الذكر باختلاف مصالحها وما يعنيه غياب عرفات عليها سلبا أو إيجابا. ولكل تلك الأسباب مجتمعة كما وردت في التحليل السابق، كان لابد من الإنتقال للمرحلة التالية، وهي تصفية عرفات جسدياً، طالما أن محاولات إنهاؤه تماماً من الساحة الفلسطينية باءت بالفشل، سواءاً من خلال استحداث المناصب المفصلة مقاساً وإسماً على عبّاس، أو محاولة الإنقلاب عليه وتحريك الشارع الفاشلة التي قادها دحلان في صيف عام 2004.
لكن قبل التصفية لابد من التمهيد لمرحلة ما بعد عرفات، والاستعداد لها، ودعم الورثة المستعدون للإنقضاض على السلطة، ولهذه الغاية بدأ الحديث عن سيناريوهات ما بعد عرفات قبل مرضه بأشهر، ولعل الوثيقة التي وضعتها الخارجية الاسرائيلية وأعلنت عنها إذاعة جيش الاحتلال بتاريخ 14/07/2004، كانت الأبرز بين تلك الاستعدادات حيث وضعت الوثيقة ثلاثة احتمالات لموت عرفات هي "قتله في عملية عسكرية إسرائيلية، أو وفاته فجأة بشكل طبيعي، أو وفاته بعد مرض طويل".، وتوقعت الوثيقة سيناريوهات "كارثية" في حال موت عرفات، إذ تحدثت عن احتمال "انهيار السلطة الفلسطينية" بعد وفاته، و"حدوث فوضى عارمة في الأراضي الفلسطينية، قد تؤدي إلى تدخل دولي". وإلى صراع على السلطة بين القوى الفلسطينية، ومحاولات من حماس لاستلام السلطة. في حين أوصت بدعم "القيادة الفلسطينية الشابة" من حركة "فتح" أمثال العميد جبريل الرجوب والعقيد محمد دحلان "لكبح تعاظم قوة حماس".
|
|